تعليق على تفجيرات حي الحُسَين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أودُ أن أُبَينُ ما حدثَ في مِصرِنا الحبيبة في منطقةِ حَي الحُسين من هذا التفجير الذي حدث في الفندق المجاور لمسجد الإمام الحُسين. وأرجو أن أُوَضح منذ البداية أنني أُبَينُ الحُكم الشرعي ولا أحكُمُ على من فعل لأني لا أعلم من فعل، وأنا أقول بأنه لا يوجد مسلم يفعلُ هذا؛ أنا أقول “لا يوجد مسلمٌ فاهمٌ لدينِ الله تعالى يُفَجر حتى ولو كانَ هذا التفجير في السُياح الأجانب”. أنا أقول بصوت واضح للدنيا كلها “لا يجوزُ لأيِ إنسانٍ، أنا لا أحكم على أن الذي فعلَ ذلك من المسلمين فأنا لا دخل لي بهذا وأنا لا أعرف من الذي فعل، إنما أنا أُبين حُكم هذا الفعل لأي إنسانٍ فعلَه، لا يوجدُ مسلمٌ عاقلٌ فاهمٌ لمراد اللهِ ورسولِه يفعلُ مثلَ هذهِ الأفعال ويُفجر مثل هذه التفجيرات ولو كان في السُياح الأجانب الغير مُسلمين من الناحية الأصلية.
· ما هذا يا شيخنا الكلام الذي تقوله؟ ألا ترى ما يفعلون في إخواننا في غزة؟ ألا ترى كيف يقتلون أولادنا في غزة؟ ويسفكون الدماء ويمزقوا الأشلاء؟ وتقول لا نذبحهم هنا؟ لا بل سنقطع رقابهم هنا.
لا يا حبيبي في الله، القضية ليست هوى، ليس كل من في باله شيئاً يفعلُه. القضية ليست قضية حماس، فلا تُقلل من حماسي لدين الله ولا تُقَلِل من قدر إخلاصي أنا لدينِ الله حينَ أُؤصِل لك هذا التأصيل الشرعي، إنما هل أنتَ معَكَ دليلاً شرعياً؟ أم هي قضية أمزجة وأهواء وما تتوق له نفسي أفعله؟
· أنا أُريد أن أُفَرغ الكبت الذي بداخلي يا شيخ، أنا بداخلي نار موقدة مما أراه من تقتيل لأولادنا.
إنَّ لنا ديناً يضبطُ أقوالنا وأفعالنا ومشاعرنا وأحوالنا وسلوكنا، وانتبه لهذا التأصيل فأُقسمُ بالله هذا دين، أُقسمُ بالله يا إخواننا ويا شبابنا هذا دين. السُياح الذين يأتون عندنا أجانب كفار أصليون، والكُفار أحبتي ينقسمون إلى أربعة أقسام.
· أقسام الكُفار؟ كفار إيه يا شيخنا؟ ما الكفار كفار!!
وهذهِ هي المشكلة، أنت عندك حماس بدون انضباط شرعي وعندك إخلاص لدين الله بدون ضوابط شرعية وتُريد أن تفعل أي شيء. هل راجعت العلماء الربانيين؟
· لا لم أُراجع العلماء.
الكارثة أنَّ في النوازل يجب أن نُراجع العُلماء، لكن لا نفعل. لا نراجع الربانيين من العُلماء. وليس هذا فقط، بل لو أصَّلَ العالِم المسألة تأصيلاً شرعياً وبَيَّنَ الحقّ بدليلِه ربما يُتهَم العالم من بعض أولادِنا وشبابِنا، وربما يقولوا أن الشيخ باع القضية، أو أن الشيخ يريد أن يصبح وزيراً، أو أن الشيخ يريد بعض المال. لا يا أحبتي فهذا دين ورب الكعبة. أُقسمُ بالله العظيم أننا لن نُجاملُ مخلوقاً على وجه الأرض على حساب ديننا، واللهِ لو قُطِعت الرقاب وسُفِكت الدماء ومُزِّقت الأشلاء، وإلا وربِ الكعبة سنجلسُ في بُيوتنا نعبدُ ربنا حتى نلقاه. فهي ليست قضية مجاملة ولو خوفاً من مخلوقٍ على وجه الأرض لأننا نعلمُ يقيناً أن آجالنا بِيَدِ الله وأن رِزقنا بِيَدِ الله وأنه لا خير فينا إن لم نكن على يقين بهذا، ولا خير فينا إن لم نؤصل في الأُمةِ هذا.
فالكُفار أربعة أقسام:
1. كافر محارِب، وهذا لهُ أحكامُه
· اسقط لنا يا شيخ هذا الحُكم على الواقع كعادتك ولا تهرب. لا تؤصل لنا المسألة تأصيلاً نظرياً وتهرب.
لا ليس هذا من عادتي بفضل الله. أنا أقول ما أُرضي به ربي وما أُصححُ به هذه الأخطاء القاتلة لأولادنا وشبابنا. انتبهوا يا أحبة قلبي فأنا أُحبكم في الله وأُقسم بالله على ذلك. أنا أُخاطب شبابنا وأولادنا وأنا أكون في غاية السعادة حين أرى شاباً امتلأ قلبُهُ بالحماس والإخلاص، لكني أخاف عليه إن لم يُراجع الربانيين من العلماء، وأخاف عليه إن لم يتعلم العِلم الشرعي، وأخاف عليه إن لم يجلس في مجالس العِلم الشرعي. لا تأخذ العلم كله من الفضائيات ونشرات الأخبار، وتذهب لتُنفِذ بدون مراجعة للعلماء والوقوف على الأدلة من القرآن والسُنَّة.
فالكافر المحارب كافر يحاربك، عدُو صائل، أتاك أرضك، يحاربك ويقاتلك بأي مسمى؛ باسم الحرية أو باسم الديموقراطية أو أي اسم. هذا تُحاربه، وهل نُجامل على حساب الدين؟ هذا سنحاربه وسنقاتله إلى آخر قطرة في دمائنا. وحينئذٍ يكونُ الجهاد فرضُ عينٍ على كلِ مسلمٍ ومسلمةٍ، شيخٍ كبيرٍ أو صغيرٍ أو رجلٍ أو إمرأةٍ في هذه المَحِلةِ، أي في هذه الأرض، التي داهمها العدُو المحارب الصائل.
هل تُحب أن أُسقِط لك على الواقع حتى يكون الأمر واضحاً؟ في فلسطين، في العراق، في الشيشان، في أفغانستان. هذا كلام واضح وأنا أعلمُ خطر ما أقول ولكن هذا دين. أقسم بالله أنا لا أجامل بشراً ولا أخافُ من مخلوق على وجه الأرض فهذا دين.
هذا إسقاط على الواقع حتى لا تقول أني هربت من اسقاط الكلام الذي أقوله على الواقع. هذا كلام واضح. فهذا كافر مُحارب، تُحاربه وتُقاتله وتدفعه بأي صورة من الصور، يدخل أرضك ويعتدي عليك فادفعه. هذا اسمه كافر محارب.
· هل معك دليل من القرآن؟
طبعاً، وهل هناك قول بدون دليل؟ قال الله تعالى { ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثلِ ما اعتدى عليكم }
2. كافر معاهَد، الذي أخذ عهداً بالدخول إلى بلدنا، بالدخول إلى أرضنا. لا يَحِلَ لمُسلمٍ أن ينقُضَ هذا العَهْد أو أن يعتدي على هذا المُعاهَد أو أن يقتُلَه، لا يَحِلُ له. انظر ماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البُخاري [ مَن قَتَل مُعاهَداً لم يَرَح رائحة الجَنة وإنَّ ريحَها ليوجَد من مسيرة أربعين عاما ً ] هذا كلام في منتهى الخطورة. وفي الصحيحَين من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ذِمًّةُ المُسلِمين واحِدة يسعى بِها أدناهُم، فمَن أَخْفَرَ مُسلِماً – أي نَقَضَ عهده – فعلَيهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبَلُ اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً، أو لا يُقبَل منه يوم القيامة صَرْفٌ ولا عَدْلٌ – أي فرضٌ ولا نَفْلٌ ]. قال اللهُ تعالى { وإنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْه حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَوْمٌ لا يَعْلَمُون } فهذا قُرآن وسُنَّة.
3. كافر مُستأمَن، الذي أعطيته عهداً بالأمان، أعطيتهُ أماناً بالدخول إلى بلدي، لا يَحِلُ لأحدٍ أن يقتله أبداً. وصورة هذا العهد في عصرنا التأشيرة، أخذ هذا السائح أو المُشرك أماناً، لكن هذا الأمان منِّي أنا ومِنْكَ ومِنْكِ، من أي أحد. وأنا أريد من شبابنا أن يُفَرق يبن العهد والأمان. والعهد يختلف عن الأمان في صورتين أو في أصلين؛ الأول أن العهد يكون من ولي الأمر أو من ينوب عنه، والثانية أن المشرك المُعاهَد يظل آمناً في بلادنا وخارج بلده من ناحيتنا ما دامت مدة العهد قائمة. انتبهوا لهذا التأصيل يا إخواني فهذا شرع. ما دامت مدة العهد قائمة، فمن قِبَلنا ومن طرفنا هو آمن من ناحيتنا، سواء كان عندنا في بلدنا أو في غير بلدنا ما دامت مدة العهد بيني وبينه، صلحاً كان أو هدنة مثلما تصالح النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين في مكة لمدة عشر سنوات، فهذا صلح ولهم عهد. إنما الأمان فيكون من آحاد المُسلِمين. فالفرق بين الأمان والعهد أنني أُعطي أماناً، وأنت، وهذه السيدة الفاضلة التي تبيع الفجل والطماطم لو أعطت مشركاً أماناً لا يحل لأحدٍ أن ينقُض هذا الأمان. روى البخاري وغيره [ أن أم هانيء أتت النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة وقالت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليٌ أنه قاتلٌ رجلٌ من المشركين قد أجرتُه – أي قد أعطيتُه أماناً، وسيدنا علي رضي الله عنه يريد أن يقتله لأنه مشرك فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لِتَستَفْتِيَه – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانيء ]. فإذا أعطيت مشركاً أماناً لا يحل لأحدٍ أن ينقض هذا الأمان وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ذِمًّةُ المُسلِمين واحِدة يسعى بِها أدناهُم، فمَن أَخْفَرَ مُسلِماً – في عهده - فعلَيهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يُقبَل منه يوم القيامة صَرْفٌ ولا عَدْلٌ].
4. كافر ذِمِّي وهو غير المسلم ممن يعيشون في الدولة المسلمة، ومن باب الأمانة العلمية ممن يدفعون الجزية أو ما يسمى الآن بصورة الضريبة أو أي شكل من الأشكال. هذا ذمي ولا يجوز أيضاً قتل الذمي على الإطلاق بأي حال من الأحوال.
يا أحبابي، يا إخواني، هذا دينُنا وهذا معتقدنا وأنا أحذر أي مسلم في بلدنا وفي الأمة كلها أن يتطاول على الدماء وأن يتجرأ على الدماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول [ لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ] وكان ابن عمر يقول: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حِلِّه.
· هذا يا شيخ للدماء المُحرمة والمُقدرة والمقدسة والتي هي دماء المؤمنين، قال الله تعالى { ومَنْ يَقْتُل مُؤْمِنَاً مُتَعَمِدَاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدَاً فِيهَا وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَه وأَعَدَّ لَهُ عَذَابَاً عَظِيمَاً } إنما دماء الكافرين فلا.
حُكم دماء الكافرين بهذا التفصيل الذي فصلناه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في التاريخ الكبير والنسائي في السُنن من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه [ من أمَّن رجلاً – انتبه أي أعطى الأمان لرجل غير مسلم ونزل بلده فقتله – على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً ]. وأختم بهذا الحديث الشريف كلامنا. فهذا ديننا، مسلمون لا نخجل من إسلامنا، مسلمون لا نخجل من ديننا، نُعلنه بكل قوة وصراحة ووضوح يفوق وضوح الفجر الصادق.
أسأل الله جل وعلا أن يردَنا جميعاً إلى الحق رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأسأل الله جل وعلا أن يحفظ على بلدنا مصر أمنها وأمانها واستقرارها وجميع بلاد المسلمين، إنه ولي ذلك ومولاه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم وصلى الله وسلم وبارك على حبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فضيلة الشيخ محمد حسان