Saturday, June 20, 2009

أين السعادة

1.                        باحث عن السعادة:

قلتُ لصاحبي – وقد آسفني ما يرتسم على قسمات وجهه من ظلال الكآبة والحزن توحي بما يعانيه في دخلية نفسه من شقوة – قلت له: عجيب أمرك! إن الحزن يكاد يعصف بك، ويبلي شبابك الناضر، مع أنك أُعْطِيت من الدنيا زهرتها: المال الكثير، والبيوت الملأى بحاجات الإنسان، والمراكب الفارهة من أحدث طراز، والأولاد يمرحون بين يديك، فما الذي يجلب لك الهم والنكد وهذه حالك؟!

فنظر إلَيَّ نظرة مهموم حائر فاقد لشيء ليس يدريه، وقال: لست أدري، إن في النفس لفراغاً، وفيها جوعة أحس بها، ولا أعرف حقيقتها. إن ما بين يدي من مال وما عندي مما يصبو إليه الكثير لا يفيء علَيَّ ظِلال السعادة، بل قد أتمنى أن أكون فقيراً كأولئك الذين أرى السعادة ترتسم على وُجوههم رغم قِلة ما يملكون مِن زينة الدنيا.

2.                        أمنية الإنسان:

وألقيتُ النظر بعيداً، وسابَق الخيال النظر فسبقه، وحّلَّق في حياة الناس يستشف الغاية التي يريدون مِن وراء سعيهم في الحياة، فإذا بهم يطلبون ما يطلب صاحبي على اختلاف أشكالهم وألوانهم وسعيهم. إن ما يطلبون هو: هناء الروح، وطمأنينة القلب، ونعيم الخاطر، وسعادة النفس في عالمهم المشهود.

3.                        طريقان وصِنفان:

قد يرى بعضُهم أنهم يَصِلون إلى تحقيق أمانيهم بالوصول إلى مُتَع الدنيا وزينتها، ولكنهم يدركون بعد حين، كما أدرك صاحبي أن ما حَصَّلوه لم يُحقق لهم السعادة المرجوة، وقد يظن بعضهم أنهم سعداء بما لديهم، ولكنهم كالمريض الذي يتغلغل المرض في أحشائه، وهو يظن نفسه يتمتع بالصحة والعافية.

وعندما يُدرِك الناس ما أدرك صاحبي يحاول بعضهم أن ينغمس في دنياه أكثر وأكثر عَلَّهُ يَرْوي نفسه الظمأى على طريقة القائل: “وداوني بالتي كانت هي الداء”، وقد يهرب بعضهم من دنياهم ويهجرونها، ويبحثون عن السعادة في قمم الجبال بعيداً عن الحياة، يُعذِبون أجسادهم، ويحرمونها من مُتَع الدنيا، وهؤلاء وهؤلاء يحملون السُلُّم من أحد طرفيه، ويعيشون في دنيا الإنسان ويخرجون منها وقد شقوا بدنياهم.

4.                        أدعياء:

وإلى كِلا الفكرتين المتضادتين يقوم دُعاة يُغلَّفون أفكارهم بمعسول القول، وينقسم المُنادون إلى كل من السبيلين على أنفسهم، فإذا هُم مذاهب شتى، وتطغى الدعوات المادية على غيرها، ويَدَّعِي كل داعية أنه يملك إكسير السعادة، وأنه يهدي البشرية الحائرة إلى شاطيء الأمن والسلام، ويقيها لواعج الأحزان ومرارة الآلام.

5.                        الإنسان لا يصنع السعادة:

ولكن التجارب المتكررة قديماً وحديثاً في الشرق والغرب تُثبت أن سبيل السعادة الحقَّة لا يصنعه بنو الإنسان لأنفسهم لأنهم غير مؤهلين لصنعه.

6.                        عِلَّة ذلك:

ذلك أن السبيل الصحيح أن يتصدى للمنهج الذي يُسعِد الإنسان مَن يكون على معرفة كاملة بأسرار النفس البشرية، والعلاقة الحقة التي تقوم بين الإنسان وهذا الكون الذي يعيش فيه، لأن الحُكم على الشيء فرع تصوره، والإنسان في كِلا الأمرين – رغم تقدمه – يقع على أبواب مجاهيل، ولذلك كانت أحكامه ومناهجه التي يضعها على اختلافها وتَبَايُنْها تسير في خَط مُتعرِّج، وهي مناهج تحتاج دائماً إلى تطوير وتحوير وتغيير، لذلك كان لزاماً أن يتوفر فيمن يهدي الإنسان إلى ما يُسعِده أن يكون عليماً بأسرار النفس البشرية، عليماً بعلاقته بالكون وما وراء الكون، لا تخفى عليه خافية، ليأتي المنهج مُتكاملاً شاملاً، ونحن لا نجد هذه الصفات في بني البشر، ولا في أحد من الخليقة.

والمُتَّصِف بذلك هو خالق البشر  الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، الذي يعلم الإنسان جهره وسره، وهو أعلم به من نفسه، ذلك أنه هو الذي أنشأ هذه النفس من تراب، ونفخ فيها الروح، فكانت بشراً سوياً، وجعل نسلها من سلالة من ماء مهين، وخلقها في أحسن تقويم، فَمِن الواحد الأحد الخالق الباريء السميع العليم نستمد السبيل السليم، والنور الكاشف، والسُبُل مِن غيره لا تخلو من عوار، وهي تؤدي بصاحبها إلى هاوية سحيقة الغور ليس لها قرار.

7.                        بداية الطريق:

ولقد أخبرنا الله بعد أن قص علينا قصة إهباط آدم من الجنة الآمنة الخالية من التعب والنصب: أنه أعطى آدم عهداً له ولذريته أن يعطيهم السعادة والهناء في دنياهم وأخراهم إن هم اتبعوا منهجه وهداه الذي ينزله لهم، فإن هم تولوا وأعرضوا عن سبيله فالشقوة نصيبهم في دنياهم وأخراهم؛ قال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [سورة طه – الآيات 123-126].

8.                        السعادة تقوم على أساسين:

قال صاحبي وكأنه قد أفاق من رؤيا، وكأنه بدأ يحس بما يريد: كأنك تدعوني إلى أن أترك دنياي لأجد سعادتي؟! قلت: كلا. ولكنني أدعوك لتأخذ المنهج الذي يتلاءم مع فطرتك، ويُعَرِّفك بنفسك وبالكون وبخالقك وخالق الكون، بالحق الذي يرسم لك معالم الطريق، وستجد أنه منهج يدعوك أن تأخذ نصيبك من الدنيا ولا يحرمك منها، ولكنه يُوَجِّه هَمَّك الأكبر إلى تفضيل ما عند الله وإيثار الآجل على العاجل. إنه يدعوك لتطهير نفسك وتزكيتها وتخليصها من قيود ثقيلة تشدها إلى الأرض، وتهبط بها إلى الحضيض.

انظر يا صاحبي إلى بني البشر وقد بلغوا ما بلغوا من تقدم في عالمهم المشهود، انظر إليهم إذ أعرضوا عن ذِكر الله، هل حققوا السعادة في الحياة؟! الدول الراقية والمتقدمة، الدول التي جاوزت الأرض إلى القمر، والتي تملك من أسباب الرفاهية ما يعجز عنه الحصر، هذه الدول تعيش في فراغ نفسي كبير: جوعة روحية، قلق وضياع، ظلم وجبروت، في الأفراد والأُسَر والدُوَل، وفي الأطفال والشباب والشيب، وما حديثهم بِسر، وأخبارهم تَتْرى تحكي أن القوم على شفى هاوية.

وتركت صاحبي يفكر على أن أعود إليه بعد حين، وكل أملي أن يجد سعادته التي يبحث عنها.

 

كتبه: أ.د. عُمَر سُلَيمان الأَشْقَر

كلية الشريعة، الجامعة الأردنية

من كتاب “مواقف ذات عِبَر”.

Posted by أسألكم الدعاء in 12:22:53 | Permalink | No Comments »

Friday, June 5, 2009

الفرق بين الشريعة والفقه

بين الشريعة والفقه فرقاً مهماً؛ وهو أن الشريعة هي الدين المُنَزَّل من عند الله تعالى، أما الفقه فهو فهم المجتهدين لتلك الشريعة، فإذا أصاب العلماء الحق في فهمهم كان الفقه موافقاً للشريعة من هذه الحيثية، وإذا أخطأوا لم يخرج اجتهادهم عن الفقه وإن كان ليس من الشريعة حتماً. انظر “تاريخ الفقه الإسلامي” لـ د. عمر سليمان الأشقر.

ويمكن حصر الفرق بين الفقه بمعناه الاصطلاحي عند المتأخرين وبين الشريعة بمعناها الاصطلاحي العام في النقاط التالية:

1. بين الشريعة والفقه عموم وخصوص من وجه؛ حيث تشتمل الشريعة على الأحكام العملية والعقدية والأخلاق، بينما يختص الفقه بالأحكام العملية فقط. ويشمل الفقه اجتهاد العلماء سواء فيما أصابوا فيه أو أخطأوا، ولا يُعَد من الشرع إلا ما أصاب فيه المجتهدون فقط.

2. الشريعة أكمل من الفقه، وهي المقصودة بقوله تعالى {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً } [سورة المائدة – الآية 3]. ولذلك تتناول الشريعة القواعد والأصول العامة، أما الفقه فهو استنباط المجتهدين من الكتاب والسُنَّة اعتماداً على هذه القواعد وتلك الأصول.

3. أحكام الشريعة صواب لا خطأ فيها، وأحكام الفقه التي استنبطها الفقهاء قد يدخلها الخطأ الناتج من فهمهم. ولكن ينبغي التحذير من الدعوى الخطيرة – التي تولى كِبرها بعض الكُتاب المُعاصرين – والتي ترمي إلى نزع الصفة التشريعية عن الاجتهادات الفقهية تمهيداً لنزع القداسة عن الشريعة نفسها، حيث يَعتبِر أصحاب هذه الدعوى الشريعة آراء رجال أكثر من أن تكون أحكاماً إلهية. وهذا خطأ بَيِّن؛ فإن الشريعة أحكام إلهية، والفقه مأخوذ من تلك الشريعة الإلهية، واستنباط العلماء صائب في معظم الأحيان ومُعَبِّر عن هذه الأحكام التشريعية، وإنما الخطأ الصادر – أحياناً – يكون فقط من فهمهم الشخصي لبعض النصوص والأدلة. انظر “تاريخ الفقه الإسلامي” لـ د. عمر سليمان الأشقر و”النظام التشريعي في الإسلام” لـ د. محمود محمد عبد الرحيم.

فالفقه – بلا ريب – علمٌ شرعي، لأنه من العلوم المبنية على الوحي الإلهي، وعمل العقل في استنباط الأحكام ليس مطلقاً من كل قيد، بل هو مُقَيَّد بالأصول الشرعية في الاستدلال. انظر “مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية” لـ د. يوسف القرضاوي.

4. الشريعة عامة بخلاف الفقه. قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [سورة الأنبياء – الآية 17]. وهذا العموم ملموس من واقع الشريعة ومقاصدها ونصوصها التي تُخاطب البشر كافة.

5.الشريعة الإسلامية مُلْزِمة للبشرية كافة، فكل إنسان إذا توفرت فيه شروط التكليف مُلْزَم بكل ما جاءت به عقيدة وعبادة وخُلُقاً وسُلوكاً، بخلاف الفقه المًستَنبَط من الأدلة الشرعية عن طريق اجتهاد المجتهدين؛ فرأي أي مجتهد لا يُلزِم مجتهداً آخر. والفقه قد يُعالج مشكلات المجتمع في زمان أو مكان بعلاج يُمكن ألا يَصْلُح لمشكلات زمان أو مكان آخر، بخلاف الشريعة الكاملة لكل زمان ومكان.

 

من كتاب “تاريخ التشريع” إعداد لجنة من الباحثين بمركز البحوث وإعداد المناهج بالجامعة الأميركية المفتوحة بالقاهرة، إشراف ومتابعة د. محمد يسري

http://www.aou-egypt.com

 

Posted by أسألكم الدعاء in 00:12:32 | Permalink | No Comments »

Monday, May 25, 2009

يعذبك على خلاف السُنَّة

قال الشيخ الألباني رحمه الله في إرواء الغليل (2/236) :
( فائدة ): روى البيهقي بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة ؟ ! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السُنَّة. وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيراً من البدع باسم أنها ذِكْر وصلاة، ثم يُنكِرون على أهل السُنَّة إنكار ذلك عليهم، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذكر والصلاة ! ! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذِكْر والصلاة ونحو ذلك. انتهى من الإرواء .

وقال في الإرواء أيضاً (4/181) :
وما أحسن ما قال الإمام مالك رحمه الله لرجل أراد أن يُحْرِم قبل ذي الحليفة: لا تفعل، فإني أخشي عليك الفتنة، فقال : وأي فتنة في هذه ؟ ! وإنما هي أميال أزيدها ! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سَبَقْتَ إلى فضيلة قَصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إنى سمعت الله يقول: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. انتهى من الإرواء .

Posted by أسألكم الدعاء in 20:25:57 | Permalink | No Comments »

Tuesday, May 19, 2009

حول عقيدة التثليث عند النصارى

يكتنف هذه العقيدة كثير من الغموض الذي يصعب إزالته حتى باستخدام الأحكام العقلية المُجردة؛ ويقولون: إن الله واحد في ثلاثة أقانيم؛ هم الآب “الله” والابن “الله” والروح القُدُس “الله” وهؤلاء الثلاثة هم الله. كيف؟ هذا هو سر الثالوث الأقدس الذي لا يستوعبه عقل بشري؛ لأنه فوق مستوى إدراكه. من كتاب “كُنتُ نصرانياً” لواصف الراعي، ص110.

ومع هذا فإننا سنعرض لبعض الشروح التي دارت حولها بحيدة تامة، محاولين تقريب العقيدة إلى الأفهام ما أمكن:

1.  يستمد هذا الشرح من التأمل في التركيب الجسماني للإنسان، إذ أن كيانه يتألف من الأجزاء المادية المتجانسة، التي تستطيع الأنظار المادية أن ترى هيأتها الاتحادية، فمثلاً العظم واللحم والدم، من اتحاد هذه الأشياء الثلاثة يقوم الجسم الإنساني في الوجود، ولو فقد واحداً منها لما تم الوجود الإنساني. من كتاب “ما هي النصرانية” لمحمد تقي العثماني، ص47/48.

ولكن إذا تأملنا هذا المثال نجده لا يتفق مع العقيدة المسيحية في التثليث، علي حين أن المسيحية لا تؤمن بثلاثة أقانيم كثلاثة أجزاء، وإنما تؤمن بها كثلاثة أشخاص مستقلين، ومن هنا فإنها لم تستخدم للأب والابن وروح القدس كلمة “الأجزاء” وإنما استعملت كلمة “الأقانيم Persons” أو الأشخاص، ولا شك أن أحداًَ لا يقول بأن اللحم وحده، أو العظم وحده، أو الدم وحده “إنسان”، وإنما يقول إنه جزء من الإنسان، وعلى العكس من ذلك فإن المسيحية تَعُد من الأب والابن والروح القددس إلهاً، ولا تَعُده جزءاً من الله. من كتاب “ما هي النصرانية” لمحمد تقي العثماني، ص49.

2.  التجلي والحُلول:

عبَّر الأب سوجارت على ذلك بقوله: إن الرب يُعْلمنا بوجود إله واحد وليس إثنين أو خمسة… وإنه تجلى في ثلاثة أشخاص، ثلاث شخصيات مختلفة؛ نحن نؤمن بوجود الأب السماوي، والإله الابن، ونؤمن بالروح القدس الذي غشي مريم؛ إنه أيضاً وهُم كلٌ لا يتجزأ بمعنى أنهم متفقون تماماً، وفي توحد وانسجام لا يختلفون أبداًُ ولن يختلفوا أبداً. من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص199.

وعندما أُعطيت الكلمة للأستاذ أحمد ديدات، قام فأفصح عن تعجبه الشديد من قيام الأب سوجارت بتغيير الكلمة المُعبرة عن الرب، حيث كان في صباح يوم المناظرة نفسه يستخدم في خطابه لمجموعة من كنيسته كلمة “المولود لله”، وهي مستخدمة أيضاً في إنجيل الملك جيمس المُعتَمَدة بالنَص لأنه هكذا أحب العالم حتى إنه أعطى ابنه الوحيد، والتعبير الإنجليزي الوارد بالنَص يستخدم كلمة “بجتن” أي المولود لله؛ ولكن بعد ثماني ساعات فقط، وأثناء المُناظرة غَيَّر الأب سوجارت كلمة “بجتن” إلى كلمة “المتفرد”. من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص135.

ويقول الأستاذ ديدات: وبالمناسبة فإن كلمة “بجتن” تعني أيضاً الإنتاج يا سيدي، فالله أنتج ولده. من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص180.

وعندما سُئِل الأب سوجارت عما يعنيه بكلمة “مُتَفَرِّد” أجاب بأنها في الأصل اليوناني تعني ببساطة لم يكن مثله أحد من قبل، وما كان أحد أبداً مثل ابن الله، فهو متفرد، لم يكن أحد من قبل مثل مريم التي أنجبت ابن الله، إنها تعني ببساطة أن أحداً لم يكن أبداً مثله من قبل، ولن يكون أحداً مثله من بعد، يكون متفرداً كابن الله، متجسداً في هيئة بشرية. من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص195.

ثم أوضح أن المسيحيين لا يعتقدون بوجود ثلاثة آلهة، وسَخِر من الذين يظنون أنهم يعتقدون أن الله متزوج ويسكن في شقة في السماوات، وأنه أنجب أطفالاً، ووصف ذلك بأنه سخافات؛ ثم عَبَّر عن الإيمان الصحيح عندهم حيث يؤمنون بأن الله بسبب حبه للناس تعطف ونزل على هذا الكوكب، وعاش بين الناس ومشى بينهم وتحدث إليهم، وفي هيئة بشر تجسد ليموت على الصليب كالفادي تكفيراً عن خطايا البشرية فالإنسان عاجز عن إنقاذ نفسه، ولقد فعل ذلك وقال للناس: إنكم ستقتلون هذا الجسد وفي خلال أيام ثلاثة سأرفعه إلَيَّ مرة أخرى؛ وهكذا فهو متفرد في ذلك. كذلك كان متفرداً في معجزاته، متفرداً في نبوءته، متفرداً في ميلاده، متفرداً في حياته، متفرداً في رسالته، متفرداً في موته، متفرداً في قيامته، متفرداً في صعوده، وعندما يعود فسوف يكون متفرداً في عودته. من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص196.

ولكن هذا الأسلوب الإنشائي الخطابي لا يحل مشكلة الغموض، وربما كان فراراً من المواجهة التي لابد منها؛ إنه يقول - أثناء حديثه أيضاً – شخص وشخص وشخص، إلا أنهم ليسوا ثلاثة أشخاص بل شخص واحد.

وعندئذٍ وَجَّه الأستاذ ديدات الخطاب إلى الأب سوجارت وضرب له المثل الآتي: أنت وأخواك لنفترض أنكم ثلاثة توائم متشابهة، وأننا لا نستطيع التمييز بينكم أنتم الثلاثة لأنكم متطابقون تماماً، فإذا اقترف أحدكم جريمة قتل هل يمكن أن نشنق الآخر؟ جوابك كلا. وأسألك: لماذا لا يُشنق؟ فتقول لي: إنه شخصٌ آخر، وأوافقك على هذا. من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص204.

ثم أوضح أن استخدام الكلمات يستدعي صُوَراً ذهنية حول “الأب السماوي المُحِب” و”الإله الابن” و”الروح القدس”. إذن هناك ثلاث صور ذهنية مختلفة، ومهما حاولتم فلن تتطابق هذه الصور الثلاثة في صورة واحدة؛ سيكون في ذهنكم دائماً ثلاث صور، ولكن حين أسألكم: كم صورة ترون؟ تقولون: واحد، من كتاب “المناظرة الحديثة بين الشيخ ديدات والقس سوجارت” جمع وترتيب د. أحمد حجازي السقا وتقديم الشيخ الغزالي،  ص205. وهذا لا يُطابق الواقع.

3.  مِثال الشمعة

وهذا المثال مشهور ومتداول، فالله عندهم – تعالى عُلُواً كبيراً – كالشمعة، فالشمعة واحدة ولكن لها مادة ونور وحرارة؛ فهي ثلاثة في واحد. من كتاب “كُنتُ نصرانياً” لواصف الراعي، ص25.

وهذا المثال متهافت أيضاً لا يُعَبِّر عن العقيدة النصرانية؛ لأن الأقانيم عندهم ثلاثة أصول، والشمعة أصل واحد، أما الضوء والحرارة فمظهران حادثان طرءا على الشمعة بعد إضائتها، فإذا انطفأت عادت إلى أصلها الواحد، وفاتهم أن هناك مصدراً ما أشعل الشمعة، فما دوره في الأقانيم الثلاثة وأين مكانه من هذا التشبيه؟ من كتاب “كُنتُ نصرانياً” لواصف الراعي، ص25.

إن هذا المثال إذن مخالف للثالوث النصراني الذي – بحكم صياغته – يقرر تعدد الشخصيات في الإله، وينسب – كما يرى البروفيسور عبد الأحد داود – خصائص شخصية منفصلة لكل شخص.

وقد ناقش البروفيسور هذه العقيدة من الوجهة الرياضية البحتة ليُبَين عدم تطابقها مع البديهيات العقلية، والعلم الرياضي هو أدق العلوم كما هو معروف.

قال: والرياضيات كعلم إيجابي تُعلمنا أن الوحدة ليست أكثر من واحد ولا أقل، وأن واحداً لا يمكن أن يساوي واحداً + وحداً + واحداً.

وبعبارة أخرى، فإنه لا يمكن أن يكون الواحد مساوياً لثلاثة؛ لأن الواحد هو ثُلُث الثلاثة، وقياساً على ذلك فإن الواحد لا يساوي الثُلُث؛ وبالعكس فإن الثلاثة لا تساوي واحداً، كما أنه لا يمكن للثُلُث أن يساوي الوحدة، والذين يقولون بوحدانية الله في ثالوث من الأشخاص إنما يقولون لنا إن كل شخص هو إله قدير موجود دائم أزلي وكامل؛ ولكنه لا توجد ثلاثة آلهة قادرين وموجودين ودائمين وأزليين وكاملين، ولكنه إله واحد قدير.

وإذا لم تكن هناك سفسطة في المنطق المذكور أعلاه فإننا سنطرح هذا اللغز الذي تقدمه الكنائس، ويكون طرحنا له بالمعادلة التالية:

إله واحد = إله واحد + إله واحد + إله واحد

أولاً: لا يمكن لإله واحد أن يساوي ثلاثة آلهة، بل يساوي واحداً منها فقط.

ثانياً: بما أنك تُسَلِّم بأن كل شخص إله كامل مثل قرينه؛ فإن استنتاجك بأن 1+1+1=3 ليس استنتاجاً رياضياً. من كتاب “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس” لعبد الواحد داوود ص45، ترجمة فهمي شما، مراجعة وتعليق أحمد محمد الصديق.

ثم ينتقل البروفيسور بعد ذلك إلى مناقشة التثليث من الناحيتين المنطقية والعقائدية بناءً على تصور أن لكل شخص في الثالوث صفات لا تنطبق على الاثنين الآخرين وتدل هذه الصفات طبقاً للمنطق الإنساني واللغة الإنسانية على وجود قَبلية وبَعدية فيما بينهما؛ فالأب يحظى بالمرتبة الأولى ويتقدم على الابن. أما الروح القُدُس فهو ليس متأخراً فحسب لكونه الثالث في الترتيب العددي، بل إنه أقل من أولئك الذين انبثق منهم. من كتاب “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس” لعبد الواحد داوود ص45، ترجمة فهمي شما، مراجعة وتعليق أحمد محمد الصديق.

ويلقي بعدئذٍ التساؤل الذي لا مفر منه للتمييز بين الإقرار بهذه العقيدة أو الزندقة: ألا يعتبر نوعاً من الإحاد إذا ما أعيد ذكر هذا الثالوث بترتيب معكوس؟ ألا يعتبر إنشاء الصليب عند مشاهدة القربان المقدس أو تجاوز مبادئه نوعاً من الزندقة عند الكنائس إذا عكست العبارة وأصبحت على النحو التالي: باسم الروح القدس والابن والآب؟ لأنها إذا كانت متساوية ومتعاصرة فإنه لا داعي لمراعاة ترتيب الأسبقية بدقة؟ من كتاب “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس” لعبد الواحد داوود ص45، ترجمة فهمي شما، مراجعة وتعليق أحمد محمد الصديق.

أما دفاع النصارى عن عقيدة التثليث بدعوى أنها حقائق هي وراء طور العقل والقياس فلا مناص من تصديقها من غير محاولة الاعتماد على العقل فيها، هذا الدفاع لم يقبله ابن تيمية في مجال مناقشة عقائدهم، فهو يرى ضرورة التمييز بين نوعين من الحقائق؛ أحدهما ما هو باطل ومستحيل  عقلياً، والثاني ما يقتصر عنه العقل وجاءت الأنبياء لتوضحه، ولكن النصارى لا يُمَيزون بين ما يُحيله العقل ويبطله ويعلم أنه ممتنع، وبين ما يعجز العقل عنه فلا يعرفه ولا يعلم فيه بنفي ولا إثبات، وأن الرسل أخبرت بالنوع الثاني ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأول. فلم يفرقوا بين محالات العقول ومحارات العقول، وقد ضاهوا في ذلك مَن قبلهم من المشركين الذين جعلوا لله ولداً وشريكاً. من كتاب “الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح” لشيخ الإسلام ابن تيمية ص89 ج2، نقلاً عن كتاب “الحافظ أحمد بن تيمية” للإمام أبو الحسن الندوي ص204.

وزعْم الولد أو الابن لله تعالى دالٌ على استخدام ألفاظ الأنبياء – لو صحت – في غير مواضعها، فإن الموقف المنهجي الصحيح المُفَسِر لكلام الأنبياء يقتضي الاستمساك بظاهر كلامهم، فإن الابن ظاهره لا يراد به شيء من صفات الله، بل يراد به وليه وحبيبه، وروح القدُس لا يراد به صفته، بل يراد به وحيه وملكه، ولكن النصارى عدلوا عن ظاهر اللفظ إلى معنى لا يدل عليه البتة. من كتاب “الحافظ أحمد بن تيمية” للإمام أبو الحسن الندوي ص202.

قال ابن تيمية: فإذا وُجد في كلام المسيح عليه السلام أنه قال “عمدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس، ثم فسروا الابن صفة الله القديمة الأزلية كان هذا كذباً على المسيح حيث لم يكن في لغته أن لفظ الابن يراد به بصفة الله القديمة الأزلية، كذلك إذا لم يكن في كلام الأنبياء أن حياة الله تسمى روح القدس وإنما يريدون بروح القدس ما ينزله الله تبارك وتعالى على الأنبياء والصالحين ويؤيدهم. من كتاب “الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح” لشيخ الإسلام ابن تيمية 181 ج3، نقلاً عن كتاب “الحافظ أحمد بن تيمية” للإمام أبو الحسن الندوي ص202.

 

كتبه: أ.د. مصطفى حلمي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكُلية دار العلوم، جامعة القاهرة.

من كتاب “الإسلام والأديان – دراسة مُقارنة”.

 

Posted by أسألكم الدعاء in 21:49:53 | Permalink | No Comments »

Saturday, May 16, 2009

دِلالات خوارق العادات

مما يتعلق بتمييز الكرامة عن غيرها من خوارق العادات؛ التمييز بين الولي الذي يجوز أن تحدث له الكرامة، وبين من هو أعلى منه منزلة وهو النبي، أو من يَدَّعي مثل منزلته كذباً وبُهتاناً وهو المُشَعوِذ والساحر وغيرهما.

فأما الفرق بين النبي والولي من جهة الخارق الذي يجري على يد كلٍ منهما، فإن النبي تجري على يده المعجزات وهي نوعان، سماها ابن تيمية معجزات كُبرى وهي دليل صدقه، ونوع من التوابع والنوافل سماها معجزات صُغرى.

والولي تحدث على يده الكرامات، وقد تشتبه بالمعجزات الصُغرى أو تُماثلها، ولكن النبي يختص بالعصمة دون الولي، فالمعجزة للنبي دليل على عصمته من الخطأ فيما أُرسِلَ من أجله، وهو التشريع. أما الولي فكرامته إنما تدل على صدق النبي الذي آمن به هذا الولي واتبعه في شريعته، ولا تدل بحال على عصمته هو من أن يُخطيء في بعض أعماله أو عباداته أو توجيهاته؛ لأنه لم يُرسَل ويُصطَفى من الله عز وجل لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه. أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض.

 

ومن هنا وجبت طاعة النبي مُطلقاً، بينما لا تجب طاعة الولي مُطلقاً إلا فيما دَلَّ عليه دليل شرعي واضح. وفارق آخر بين المعجزة والكرامة هو أن الكرامة تحدث بحسب حاجة الولي، فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيقٍ عليه أو على من يدعو له جاءه من ذلك ما يُفرج كربته ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: “وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله. ومن هنا ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم، فإن الحواريين مثلاً كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يوجِبون موافقتهم في كل كا يقولون، وهذا غلط“. من كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص29 لابن تيمية.

والحقيقة أن كثير من المسلمين أيضاً قد وقع فيما وقع فيه النصارى من الخطأ الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فبمجرد أن يُشتَهَر شخص بشيء من الكرامات ترتفع درجة الثقة في أقواله وتوجيهاته وأوامره ونواهيه إلى حد أن أكثر الناس لا يقبل فيها جدلاً البتة.

وأما التمييز بين الولي الصادق الذي قد تجري على يديه الكرامات مِن الدَّعِيِّ الكاذب الذي يُمَوِهُ على الناس ويخدعهم، فإنما يكون ذلك بحسب صلاحه وتقواه من قيامه بالفرائض والنوافل واتقائه الكبائر والصغائر واتصافه بالصفات الكريمة واستدامته عليها، فإن اتصف شخص بكل هذه الصفات الطيبة وعُرِفَت عنه ثم حدث على يديه شيء من الخوارق فيما لا يُخالف الشرع، فيجوز أن يُطلَق على ذلك اسم كرامة.

أما إن كان الرجل على خلاف ذلك، مُشتهِراً بالفسق والفساد والضلال وغير ذلك، فإن كُل ما يجري على يديه لا يُعْتَدُّ به بالغاً ما بلغ. والله أعلم“. انظر كتاب موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية لـ د. أحمد بن محمد بناني ص236، 237 وكتاب شُبُهات التصوف لـ د. عمر بن عبد العزيز قريشي ص138.

 

كتبه: فضيلة الشيخ محمد إسماعيل المُقَدِّم

من كتاب: أُصُول بِلا أُصُول

http://www.m-ismail.com

 

Posted by أسألكم الدعاء in 13:55:50 | Permalink | Comments (1) »

Monday, May 11, 2009

ليس وهابياً

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين..

وبعد، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء” [مسلم]

وإن من مظاهر استحكام غربة الدين أن يتولى أعداؤه مهمة التعريف به !!

فيُمَكن لهم، وإن يقولوا يُسمع لقولهم..

فتجد أكثر من يتكلم عن الإسلام في الغرب هم اليهود والنصارى، بل في بعض بلاد الكفر يُدرَّس الدين الإسلامي للمسلمين في المدارس على أيدي مدرسين يكفرون به !!

وتجد أكثر من يتكلم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هم أعداؤه: فيرسمون ويشتمون، ويكتبون ويلمزون، ويؤلفون ويلفقون، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ = فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ = إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الانشقاق 23-25]

وفي الرسائل الدعوية المباركة التي واكبت موجة الغضب تجاه الرسوم الحاقدة، حرص الدعاة والمصلحون أن يؤكدوا للمسلمين أن هذا الحقد ليس جديداً، وأن تلك الإساءة ليست هي أول مرة يؤذى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حدث مثل هذا وأشد مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ فجر الدعوة.. بأبي هو وأمي ونفسي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم..

وبقي أن يتعلم المسلمون أن هذا هو حال كل رموز الإسلام في كل زمان.

نعم.. كما ورثوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف رسالة، ورثوا معها الأذى في سبيلها..

فها هو ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ينال الشهادة على إثر محنة سببها نشر سوء الفهم عنه..

وها هو أبو السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يُحرِّق الذين ألَّهوه، فيزداد القوم سوء فهم عنه، فيقولون: الآن أيقنَّا أنك أنت الله؛ لأنه لا يُعذِّب بالنار إلا خالقها..

وتدور الأيام وتزداد الغربة وتستحكم الفتن..

فتشيع عن البخاري رحمه الله كلمة ظلم تضيِّق عليه الأرض، فيسأل الله حسن الخاتمة فيُتم الله نعمته عليه..

وتُدَس الأكاذيب لتفسد بين ابن تيمية رحمه الله والحُكام، فيُؤذى في سبيل الله..

{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ

أَتَوَاصَوْا بِهِ  ؟ !   بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}

والسؤال:

أليس من حق الإسلام أن يتكلم عن نفسه؟!   أليس من حق الحق أن ينطق بالحق؟!

إننا كثيراً ما نقول: إن الناس سمعوا عنا، ولم يسمعوا منا !

لكننا نقول رغم ذلك: إن الإسلام يشبه الكرة المطاطية التي كلما وُجهت إليها الضربة بشدة، كلما كان رد الفعل العكسي وعلوها وارتفاعها أشد.. كذلك الإسلام كلما جد أعداؤه واجتهدوا، وأعدوا واستعدوا، وأحبكوا وكادوا ودبروا.. كلما كان نصره أعلى وظهوره أتم !!

ألم يقل ربنا جل جلاله: { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ }، { فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ،{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ }، { مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }

[النور: 11، الأنفال: 36، يوسف: 21، الحج: 15]

إن من سنن الله في نصر دينه أن يشوق خلقه للتعرف على الإسلام كلما هوجم !

هل تعلم من هو الذي جمع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع ليلة الإسراء والمعراج؟

حاول أن تُخمِّن من هو الذي نشر خبر هذه المعجزة بين الناس؟   إنه أبو جهل !

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فظِعتُ بأمري . وعرفت أن الناس مكذبي“.  !!   (احفظ هنا أن رسول الله ظن أن الناس سيكذبونه.. ثم تأمل كيف ستأتي نصرته):

بينما قعد صلى الله عليه وسلم معتزلا حزينا.. إذ مَر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له - كالمستهزئ - :هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم“.  قال: ما هو؟  قال: “إنه أسري بي الليلة“.  قال: إلى أين؟  قال: “إلى بيت المقدس“.  قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟   ( تأمل إنه يشعر أنه وجد ما يتمنى: كذبة واضحة زعم، فرصة للصد عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم )  قال صلى الله عليه وسلم: “نعم“.  (فتَصَنَّع أمام النبي صلى الله عليه وسلم أنه صدَّقه؛ مخافة أن يُغيِّر كلامه إذا دعا قومه إليه، ثم سأله بمكر: ).  قال لعنه الله: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟   فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم“.  فانطلق يلهث وينادي في الناس، فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى عدو الله أبي جهل.. 

وهنا نطق أبو جهل (لعنه الله تترا) بمكر، يحسب أنه يستدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال: حَدِّث قومك بما حدثتني !  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إني أسري بي الليلة“.  قالوا: إلى أين؟ 

قال: “إلى بيت المقدس“.   قالوا: ثم أصبحتَ بين ظهرانينا؟  قال: “نعم“. 

فصار الناس ما بين مصفق، وما بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب زعم !

انظر لتدبير الله:

قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟  (وكان في القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ،ورأى المسجد)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فذهبت أنعت ،فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال - أي عقيل - فنعتُّه وأنا أنظر إليه

قال صلى الله عليه وسلم: “وكان مع هذا نعت لم أحفظه” !!

أمور لم يرها النبي في الرحلة، أراه الله إياها وهو في مكة !!

هل تذكر كلمة النبي صلى الله عليه وسلم: ” فظعت بأمري ، وعرفت أن الناس مكذبي” ؟

انظر ماذا قال الناس:

قال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب.    [أحمد وصححه الألباني]

وهكذا دبَّر الكافر ليمكر بالدين، فكان تدبيره نصرة للدين، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها اتفاق قريش في بداية الدعوة أن تجعل على مداخل مكة رجالاً يحذرون الحجاج والتجار من النبي صلى الله عليه وسلم ،فكان كلامهم على النبي صلى الله عليه وسلم مستفزاً للنفوس أن تحاول أن تتعرف عليه عن قرب.. فصار هم كل من دخل مكة أن يبحث عن ذلك النبي الجديد ويراه، فما هو إلا أن يسمعه وينصف.. فيسرق الإيمان قلبه، ويخطف الإسلام لُبه..

نعم واللهِ..

فقط إن سمع الناس منا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]

وفقط لو أنصف السامع لحظة: { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } [الأعلى: 10]

فإذا تقرر عندك ما سبق..

 فهل سمعت عن الوهابيين ؟

إنه مصطلح لا وجود له في كتب الأئمة الربانيين أصحاب أمهات الكتب.

ولبحث هذا المصطلح لابد أن ترقَى ثلاث درجات بالإجابة عن ثلاث أسئلة رئيسة:

(1)                       من الذين أحدثوا هذا الاصطلاح؟

(2)                       ومن يقصدون به؟

(3)                       وماذا قصدوا من إشاعته؟

 

ابحث عن الكلمة، ثم تأمل في كتب من ستجدها؟، وعلى لسان من تسمعها؟

إنها تجري على ألسنة (الصوفية) الذين يسألون المدد من غير الله تعالى، إنها مسطورة في كتب قوم ستشهد عليهم أيديهم (إن لم يتوبوا) أنهم استلموا بها الأنصاب، ومسحوا بها الأعتاب، وملؤوا بها صناديق النذور..

إنهم جهَّال المسلمين الذين وقعوا في الشرك الأكبر أدام الله علينا العافية منه، ورزقنا وإياهم قبل الموت توبة.

وكذا تجد الكلمة (كلمة الوهابيين) على ألسنة (الشيعة) الروافض الذين يعبدون بعض آل البيت  ويلعنون بعض آل البيت (رضي الله عن جميع آل البيت).. فيتوسلون بالحسنين وفاطمة رضي الله عنهم، ويلعنون عائشة وحفصة رضي الله عنهما  !

وتجد الكلمة في شبهات (الأشاعرة والماتريدية)، المؤولة المعطلة الذين تاهوا في الإيمان بصفات الله جل جلاله، ولم ينضبطوا في فهم القرآن والسنة بفهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

حسناً.. قد عرفنا من هم الذين أحدثوا اصطلاح (الوهابية)

فمن قصدوا به؟

إنهم يقصدون بهذه الكلمة كل من وحَّد الله تعالى في القصد والطلب !

جرب أن تنهى أحدهم عن التوسل بغير الله تعالى، أو تنهى أحدهم عن الصلاة في مسجد به قبر، أو تنهى حالفاً عن الحلف بغير الله تعالى، أو تنهى متبركاً بغير ما شرَّع الله..

فإنه إن كان من جهلة المسلمين (ذوي الجهل البسيط الذين لم يتعلموا التوحيد بحق) ،فإنه سيستغرب كلامك، وإما أن يشرح الله صدره، وإما أن يحتاج لمزيد وعظ وبيان..

أما إن كان جهله مركباً لا بسيطاً، فإنه سيجادلك بشبهات واهية، وينطق بأدلة جلّها غير ثابت، حتى الثابت منها تجده قد اعتمد في الاستدلال به على فهمٍ غير معصوم ، وسيقول لك بين شبهاته:

أنت وهابي.. يا وهابي.. ،أو يخاطبك أنت وحدك بصيغة الجمع: يا وهابيين.. أنتم وهابيون.. إلخ !!

سبحان الله ! إلى من يَنسبون الموحّد الذي ينهاهم عن الشرك الأكبر؟

ماذا تعني كلمة (وهابي

والجواب: أنهم ينسبونه إلى الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى !

فمعنى كلمة (وهابي) عندهم: أنك من أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب.

وهنا يجدر السؤال:  هل نقول: لا .. إننا لسنا وهابيين ؟!  أم نقول نعم إننا وهابيون؟!

والجواب أنهم

 إن قصدوا التوحيد

 فكل المسلمين وهابيون

إن كان كل من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً يُنسب لهذا الإمام ،الذي أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج الأنصاب من المساجد، لقوله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك . [مسلم]،  فأقام أمة على التوحيد، فمَن مِن المسلمين لا يتمنى شرف هذه النسبة؟

وإن كان كل من يتأدب مع صفات الله، فلم يُعطل قولاً قاله الله جل جلاله، ولم يُحرِّف نصاً ولا فهماً من شرع الله: فيؤمن أن الله مستوٍ على عرشه لأنه قال: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه: 5]، ويؤمن بيد الله لأنه قال: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10]، وأنه سبحانه فوق خلقه في السماء كما قال عن نفسه: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [تبارك: 16]، ولقوله تعالى عن الملائكة: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [النحل: 50].. إلى آخر الاعتقاد السلفي الصحيح ،ويلتزم مع كل هذا بألا يُكيِّف ولا يُشبِّه ولا يُمثِّل، بل يثبت ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله غير مشبه ولا ممثل ولا مكيف، فيعتقد في كل ذلك أن الله لا يشبه ولا يماثل شيئا من خلقه، وأنه لا يعلم أحدٌ كيفية صفاته تبارك وتعالى، فاستواؤه استواءٌ حقيقي يليق بكماله وجلاله ليس كاستواء أحد، ويده يدٌ حقيقية تليق بكماله وجلاله ليست كيد أحد، وهكذا كل أوصافه التي قالها هو سبحانه عن نفسه أو أنطق بها رسوله صلى الله عليه وسلم: أوصافٌ على نحوٍ يليق بكماله وجلاله لا كأوصاف أحد من خلقه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }. [الشورى: 11]

وكثيرا ما قلنا:

إن سألني الله تعالى: يا عبدي لماذا قلت إنني أنزل كل ليلة، ولم تقل إن رحمتي هي التي تنزل؟

فقلت: يا رب رسولك قال هذا. هل يُحتمل هنا أن آثم بهذا بين يدي الله تعالى؟!

بالطبع لا ؛ قال سبحانه: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}

أما إن سألني سبحانه: يا عبدي لِمَ قلت إني لا أنزل كما قال رسولي عني، وإنما تنزل الرحمة؟

فقلت مثلاً: يا رب أردت تنزيهك.. فماذا أقول لو سألني:

أتنزهني عن أوصاف وصفت بها نفسي ووصفني بها رسولي؟ أأنت أعلم بي مني ومن رسولي؟؟

بالله عليك؛ مَن ها هنا أفوَز؟

قال الله جل جلاله: { قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ } [البقرة: 140]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:” إن أتقاكم وأعلمكم بالله: أنا” [البخاري]

فإن كان كل من يتأدب بهذا الأدب مع أوصاف الله تعالى، ولا ينضبط في فهم نصوص الشرع كلها من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. يسمى وهابياً، فأي شرف أسمى من هذا؟

 

إن كان تابع أحمد متوهبا

فأنا المقر  بأننى وهابى

أنفي الشريك عن الإله فليس لي

رب سوى المتفرد الوهاب

لاقبة ترجى ولا وثن و لا

قبر له سبب من الأسباب

كلا ولا حجر، لا شجر،  ولا

عين، ولا نصب من الأنصاب

أيضا ولست معلقا لتميمة

أو حلقة، أو “ودعة” أو ناب

لرجاء نفع، أو لدفع بلية

الله ينفعني ويدفع ما بي

والابتداع وكل أمر محدث

فى الدين ينكره أولو الألباب

أرجو بأني لا أقاربه ولا

أرضاه ديناً، وهو غير صواب

وأعوذ من جهيمة عنها عـنت

بخلاف كل مؤول مرتاب

والاستواء فإن حسبي قدرة

فيه مقال السادة الأنجاب

الشافعي ومالك وأبي حنيفة

وابن حنبل التقى الأواب

وبعصرنا من جاء معتقدا به

صاحوا عليه مجسم وهابي

جاء الحديث بغربة الإسلام

فلبيك المحب لغربة الأحباب

فالله يحمينا، ويحفظ ديننا

من شر  كل معاند سباب

ويؤيد الدين الحنيف بعصبة

متمسكين بسنة وكتاب

لا يأخذون برأيهم وقياسهم

ولهم إلى الوحيين خير مآب

قد أخبر المختار عنهم أنهم

غرباء بين الأهل والأصحاب

سلكوا طريق السالكين إلى الهدى

ومشوا على منهاجهم بصواب

من أجل ذا أهل الغلو تنافروا

عنهم فقلنا ليس ذا بعجاب

نفر الذين دعاهم خير الورى

إذ لقبوه بساحر كذاب

مع علمهم بأمانة وديانة فيه

ومكرمة وصدق جواب

صلى عليه الله ما هب الصبا

وعلى جميع الآل والأصحاب

 

 وإن قصدوا الشطط في الغلو أوالجفاء

فإن الإمام محمدا بن عبد الوهاب نفسه

 ليس وهابياً !!

 

· إن كانوا يقصدون أن أهل السنة والجماعة يقلدون الإمام محمدا بن عبد الوهاب رحمه الله تقليداً أعمى معتقدين فيه العصمة، فيلقبونهم بالوهابيين لأنهم يفعلون ما يفعل، ويعتقدون ما يعتقد من غير نظر في الأدلة
فإنه اتهام باطل لا ينطبق على الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه؛ وأهل السنة والجماعة أبعد الناس عن منهج التقليد الأعمى الفاسد وهم أكثر من يذم التقليد، يقول علماؤهم: “كلٌ يؤخذ منه ويُرَد إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم“، ويقولون: “إذا صح الحديث فهو مذهبي“، ويقولون: “إذا جاءكم من كلامي ما يخالف الكتاب أوالسنة فاضربوا به عرض الحائط“، وليس عندهم مذهب اسمه (الوهابية)، بل ها هو الإمام محمد بن عبد الوهاب يقول رحمه الله [في الرسائل الشخصية، الرسالة السابعة والثلاثين (1/252)]: “ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم.. بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أُشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق” اهـ.   

 فإن قصدوا بالوهابيةتقليد إمام واحد، فإن الإمام محمدا بن عبد الوهاب نفسه ليس وهابياً

 

· وإن كانوا يقصدون أنهم قوم متشددون لا يعذرون بالجهل، ويتسرعون في تكفير جُهَّال المسلمين، أو تكفير من لا يواليهم فهذا من أبطل الباطل، فإن دعاتهم دعاة لا قضاة، يُعلمون الناس ما هي شروط التوحيد، ويحذرونهم مزالق الشرك، أما من مكَّنه الله من الحكم أو القضاء فإنه يلتزم في الحكم بالتكفير بثبوت شروط وانتفاء موانع، ومن ضوابطهم:

العذر بالجهل المعتبر

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [في كتاب الاستغاثة 629/2]:

بعد معرفة ما جاء به الرسول، نعلم بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن تدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها ،كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه

ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله [الرسائل الشخصية 3/25]:

وأما ما ذكر الأعداء عني أني أُكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله

وقال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب [الدرر السنية 10/274]

إن سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله ، واتفقت الكتب الإلهية والدعوات النبوية على تحريمه وتكفير فاعله والبراءَة منه ومعاداته، ولكن في أزمنة الفترات وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ويبين له، ويعرفأن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله . فإذا بلغته الحجة وتليت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك ،فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغه الحجة

فإن قصدوا بالوهابيةالمجازفة في تكفير المسلمين، فإن الإمام محمدا بن عبد الوهاب نفسه ليس وهابياً

· وإن قصدوا أنهم قوم يناصبون أهل البيت رضي الله عنهم العداء، ويهضمونهم حقهم، ولا يوالونهم، لاسيما عليا رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها والحسنين رضي الله عنهما..

فهذا بهتان عظيم، وزور لا ينطبق على الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه، فهم أهل الوسط في حب آل البيت الأطهار رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لا إفراط ولا تفريط:

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب [في كتابه (مسائل لخصها)]: “لآله صلى الله عليه وسلم على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة..”

ويقول رحمه الله [في الرسائل الشخصية الرسالة الأولى 1/10]: “ وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته؛ وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق؛ ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة..

وقال رحمه الله [في كتابه التوحيد (1/21)] عند ذكر فوائد حديث “لأُعْطِيَنَّ الراية غداً..”:

الحادية والعشرون: فضيلة عليّ رضي الله عنه“.

وفي نفس الكتاب (1/47) يقول: “الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب:لا أُغني عنك من الله شيئاًحتى قال: “يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنكِ من الله شيئاًفإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين“.

ومن إنصافه لعلي رضي الله عنه يقول [ في مختصر السيرة (1/321)]: في السنة الثامنة والثلاثين: “وأن عليا بن أبي طالب وأصحابه: أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان“.

وتأمل رقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في نصحه لمن يجد الحزن في يوم عاشوراء:

اعلم وفقني الله وإياك أن ما أصيب به الحسين رضي الله عنه من الشهادة في يوم عاشوراء، إنما كان كرامة من الله عز وجل أكرمه بها، ومزيد حظوة ورفع درجة عند ربه وإلحاقاً له بدرجات أهل بيته الطاهرين، وليهينن من ظلمه واعتدى عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أشد بلاء؟ قال:الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة” [أحمد وصححه الألباني].  فالمؤمن إذا حضر يوم عاشوراء ،وذكر ما أصيب به الحسين ،يشتغل بالاسترجاع ليس إلا، كما أمره المولى عز وجل عند المصيبة ليحوز الأجر الموعود في قوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، ويلاحظ ثمرة البلوى وما أعده الله للصابرين حيث قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍويشهد أن ذلك البلاء من المبلي فيغيب برؤية وجدان مرارة البلاء وصعوبته. قال تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}..  [رسالة الرد على الرافضة (1/ 48)].

 باللهِ هل بعد هذا أدب وحب لآل البيت في حال إنكار بدع الغالين فيهم؟

 هل تعرف أسماء أبناء الإمام محمد بن عبد الوهاب؟

ابن الإمام الأكبر اسمه علي، وله ولدان اسمهما حسن وحسين، وله ابنة اسمها فاطمة [الدرر السنية (12/19)] ، سبحان الله، فماذا تقول فيمن يقول: الوهابية أعداء أهل البيت؟!

فإن قصدوا بالوهابيةعداوة أهل البيت وهضم حقهم،  فإن الإمام محمدا بن عبد الوهاب نفسه ليس وهابياً

· وإن قصدوا أنهم الذين يشقون عصا الحاكم المسلم ويخرجون عليه، وأنهم سبب سقوط الخلافة العثمانية، فهذا كذب وزيغ لا يصدق على الإمام محمد بن عبد الوهاب ولا على أتباعه:

يقول الشيخ الإمام في رسالته لأهل القصيم [مجموعة مؤلفاته ( 5 / 11 )]: “وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه” ، ويقول [مجموعة مؤلفات الشيخ ( 1 / 394 )]: “من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشيّاً..”

أما أكذوبة أن الإنجليز أعانوا الوهابيين فكانوا سبب سقوط الخلافة العثمانية، فإنها كلمة بلهاء تفنى، ويذهب ضجيجها ببساطة إذا علمت أن قيام هذه الحركة وظهورها كان في سنة 1811 م ، بينما سقطت الدولة العثمانية سنة 1922 !  وكان قيام دعوة الإمام في نجد التي لم تشهد نفوذا للدولة العثمانية، ولم يمتد إليها سلطانها، ولم يكن بها ولاة عثمانيون.

فإن قصدوا بالوهابية شق العصا والخروج على الحاكم،  فإن الإمام محمدا بن عبد الوهاب نفسه ليس وهابياً

إخوتاه

إن أفواه الشر لن تسكت، وأقلام السوء لن تكف..

فليكن واضحاً لكل منا، {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}:

(3) ماذا قصدوا من إشاعته؟

·  إن اختيار القوم اسم إمام من أئمة الدعوة ليكون لقباً لأصحاب المنهج الحق فيه إشارة خبيثة ومحاولة حاقدة لكي يظن الناس أنها دعوة جديدة مبتدعة، يوم مولدها هو يوم ظهوره، لذا فمن أماراتهم أنهم كثيراً ما يقولون: “أول من نهى عن التوسل بغير الله هو فلان”، و”أول من نهى زيارة المشاهد والأنصاب هو فلان”..

وهنا نقول لا..

إنها دعوةٌ أصيلة: ليست أقدم من الإمام محمد بن عبد الوهاب (المتوفى 1206 هـ)، ولا أقدم من شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى 728 هـ)، ولا من الإمام البربهاري (المتوفى 329 هـ)..

إنها رسالة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل إنها أقدم من بعثته صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال الله جل جلاله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، فكل النبيين جاؤوا قومهم بهذه الكلمة: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}

[الأعراف: 59، 65، 73، 85، هود: 50، 61، 84، المؤمنون: 23]

·      إنهم يريدون تقليل حجم دعوة التوحيد بحصرها في إنسان؛ ليظن الناس أنهم مجرد طائفة وفرقة.

وهنا نقول لا..

إننا نحن الأصل؛ نحن الأمة الأم؛ لسنا طائفة من الطوائف، ولا جماعة من الجماعات؛ نحن سائرون كما أمر صلى الله عليه وسلم: “ما أنا عليه وأصحابي” [الترمذي وحسنه الألباني]

فالمستمسكون بالقرآن والسنة بفهم سلف الأمة (الصحابة والتابعين وأتباع التابعين) هُم الأمة وإن كانوا قلة، هم الأصل وإن خالفهم الأكثرية؛ { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }.

اللهم أرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه.. وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه.. ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله والحمد لله رب العالمين

إضافة رمضان 1427 هـ

كتبه: فضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب

Posted by أسألكم الدعاء in 19:47:09 | Permalink | No Comments »

Friday, May 1, 2009

أثر الفُرس في بعض عقائد الشيعة

إن بعض الباحثين في عقائد فِرَق الشيعة – لا سيما الباطنية – يُلاحظون تشابهاً بينهم وبين الفُرس، بل أُطلِق اسم المجوس على القدرية أيضاً.

قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه “فجر الإسلام” ص 276-278، نقلاً عن كتاب “الشيعة والتشيع – فرق وتاريخ” لإحسان إلهي ظهير: والحق أن التشيع كان مأوى لجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية. وتستر بعض الفُرس بالتشيع وحاربوا الدولة الأموية وما في نفوسهم إلا الكُره للعرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم. ويستند أيضاً إلى ما ذهب إليه المقريزي في تعليله لاختفاء بعض الفُرس وراء الإسلام بعامة والتشيع بخاصة بمحاربة الإسلام؛ لأنهم كانوا أهل مُلك وعلوا على جميع الأمم، يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما انتصر العرب المسلمون عليهم – وكانوا يعتبرون العرب أقل الأمم خطراً – تضاعفت لديهم المصيبة، فرأوا كيد الإسلام بالمحاربة عن طريق الحيلة لعجزهم عن المواجهة الصريحة المباشرة. قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه “فجر الإسلام” ص 276-278، نقلاً عن كتاب “الشيعة والتشيع – فرق وتاريخ” لإحسان إلهي ظهير: فرأوا كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي رضي الله عنه، ثم سلكوا بهم مسالك شتى أخرجوهم بها عن طريق الهدى. ولكنهم لو فحصوا ما دار حول الخلافة منذ تولاها أبو بكر رضي الله عنه لعلموا أن علياً لم يُظلم كما يتوهمون، بل إنه بايع وأقر بخلافة الخلفاء قبله رضي الله عنهم جميعاً.

ويرى المُستشرق دوري أن الشيعة كانت في حقيقتها فرقة فارسية، مُستنداً إلى أن الفُرس لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحُكم، لهذا اعتقدوا أنه ما دام محمد صلى الله عليه وسلم لم يترك ولداً يرثه، فإن علياً رضي الله عنه هو الذي يجب أن يخلفه وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي رضي الله عنه، ويُضيف أيضاً أنهم اعتادوا أن يروا في ملوكهم أحفاداً مُنحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي رضي الله عنه وذريته. ويرى ذلك المُستشرق الألماني ولهوزن المُتعاطف مع الشيعة، فيذكر أنه لا سبيل للشك في أن آراء الشيعة كانت تُلائم الإيرانيين.

ولا نجد للشيعة سنداً يُعتد به في هذا الإنحراف العقدي، ولو درسوا التاريخ بأمانة لوجدوا الاعتراض التام عليه، إذ عَبَّر المغيرة بن شُعبة رضي الله عنه عن دهشته واعتراضه على اتخاذ الفُرس بعضهم أرباب بعض، حيث كان الأكاسرة يَدَّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، ولذلك علق المُغيرة على ما لاحظه من تلك المظاهر مُخاطباً رُستم قائدهم: “وإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، فلا نفعله”. مُعبراً بذلك عن عقيدة التوحيد التي تجعل المُسْلِم عبداً لله وحده.

ولما زحفت الزرادشتية على العالم الإسلامي في عصور متأخرة رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية يُحذر من الوقوع في براثنها مُذَكِراً المُسلمين بالحديث الصحيح: “لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم، شبراً بشبراً وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه” قالوا: فارس والروم؟ قال: “فمن غيرهما”. ويرى شيخ الإسلام أن هذا الحديث ينطبق على كل من اتخذ عقيدة أو سلك سُلوكاً مُشابهاً لهاتين الأُمَّتين، ونحن نعلم أنهما في عقيدتهما يُعبِّران عن الشرك في جميع صُوره.

 

كتبه: أ.د. مصطفى حلمي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكُلية دار العلوم، جامعة القاهرة.

من كتاب “الإسلام والأديان – دراسة مُقارنة”.

 

Posted by أسألكم الدعاء in 07:28:03 | Permalink | No Comments »

Wednesday, April 15, 2009

شم النسيم!!!

النسيم هو الريح الطيبة، وشمّه يعني استنشاقه، وهل استنشاق الريح الطيبة له موسم معين حتى يتخذه الناس عيدًا يخرجون فيه إلى الحدائق والمزارع، ويتمتعون بالهواء الطلق والمناظر الطبيعية البديعة، ويتناولون فيه أطايب الأطعمة أو أنواعاً خاصة منها لها صلة بتقليد قديم أو اعتقاد معين؟ ذلك ما نحاول أن نجيب عليه فيما يأتي:

كان للفراعنة أعياد كثيرة، منها أعياد الزراعة التي تتصل بمواسمها، والتي ارتبط بها تقويمهم إلى حد كبير، فإن لسنتهم الشمسية -التي حددوها بإثني عشر شهراً ثلاثة فصول، كل منها أربعة أشهر، وهي فصل الفيضان ثم فصل البذر، ثم فصل الحصاد. ومن هذه الأعياد “عيد النيروز” الذي كان أول سنتهم الفلكية بشهورها المذكورة، وأسمائها القبطية المعروفة الآن. وكذلك العيد الذي سُمّيَ في العصر القبطي بـ “شم النسيم”، وكانوا يحتفلون به في الاعتدال الربيعي عقب عواصف الشتاء وقبل هبوب الخماسين، وكانوا يعتقدون أن الخليقة خلقت فيه، وبدأ احتفالهم به عام 2700ق.م، وذلك في يوم 27 برمودة، الذي مات فيه الإله “ست” إله الشر وانتصر عليه الخير. وقيل منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.

وكان من عادتهم في شم النسيم الاستيقاظ مبكرين، والذهاب إلى النيل للشرب منه وحمل مائه لغسل أراضي بيوتهم التي يزينون جدرانها بالزهور. وكانوا يذهبون إلى الحدائق للنزهة ويأكلون خضراً كالملوخية والملانة والخس، ويتناولون الأسماك المملحة التي كانت تصد من بحر يوسف وتملح في مدينة “كانوس” -وهي أبو قير الحالية كما يقول المؤرخ سترابون”- وكانوا يشمّون البصل، ويعلقونه على منازلهم وحول أعناقهم للتبرّك.

وإذا كان لهم مبرر للتمتع بالهواء والطبيعة وتقديس النيل -الذي هو عماد حضارتهم- فإن تناولهم لأطعمة خاصة بالذات واهتمامهم بالبصل لا مبرر له إلا خرافة آمنوا بها وحرصوا على تخليد ذكراها.

لقد قال الباحثون: إن أحد أبناء الفراعنة مرض وحارت الكهنة في علاجه، وذات يوم دخل على فرعون كاهن نوبي معه بصلة أمر بوضعها قرب أنف المريض، بعد تقديم القرابين لإله الموت “سكر” فشفي. وكان ذلك في بداية الربيع، ففرح الأهالي بذلك وطافوا بالبلد والبصل حول أعناقهم كالعقود حول معابد الإله سكر” وبمرور الزمن جدت أسطورة أخرى تقول: إن امرأة تخرج من النيل في ليلة شم النسيم يدعونها “نداهة” تأخذ الأطفال من البيوت وتغرقهم، وقالوا: إنها لا تستطيع أن تدخل بيتًا يعلق عليه البصل“.

ثم حدث في التاريخ المصري حادثان، أولهما يتصل باليهود والثاني بالأقباط، أما اليهود فكانوا قبل خروجهم من مصر يحتفلون بعيد الربيع كالمصريين، فلما خرجوا منها أهملوا الاحتفال به، كما أهملوا كثيراً من عادات المصريين، شأن الكاره الذي يريد أن يتملّص من الماضي البغيض وآثاره. لكن العادات القديمة لا يمكن التخلص منها نهائياً وبسهولة، فأحب اليهود أن يحتفلوا بالربيع لكن بعيداً عن مصر وتقويمها، فاحتفلوا به كما يحتفل البابليون، واتبعوا في ذلك تقويمهم وشهورهم.

فالاحتفال بالربيع كان معروفاً عند الأمم القديمة من الفراعنة والبابليين والأشوريين، وكذلك عرفه الرومان والجرمان، وإن كانت له أسماء مختلفة، فهو عند الفراعنة عيد شم النسيم، وعند البابليين والأشوريين عيد ذبح الخروف، وعند اليهود عيد الفصح، وعند الرومان عيد القمر، وعند الجرمان عيد “إستر” إلهة الربيع.

وأخذ احتفال اليهود به معنى دينياً هو شكر الله على نجاتهم من فرعون وقومه. وأطلقوا عليه اسم “عيد بساح” الذي نقل إلى العربية باسم “عيد الفصح” وهو الخروج، ولعل مما يشير إلى هذا حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى أن اليهود تصوم عاشوراء، فقال لهم:   ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ “ قالوا: هذا يوم عظيم، نجّى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   فنحن أحق وأولى بموسى منكم “ فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه. وفي رواية فنحن نصومه تعظيماً له.

غير أن اليهود جعلوا موعداً غير الذي كان عند الفراعنة، فحددوا له يوم البدر الذي يحل في الاعتدال الربيعي أو يعقبه مباشرة.

ولما ظهرت المسيحية في الشام احتفل المسيح وقومه بعيد الفصح كما كان يحتفل اليهود. ثم تآمر اليهود على صلب المسيح وكان ذلك يوم الجمعة 7 من إبريل سنة 30 ميلادية، الذي يعقب عيد الفصح مباشرة، فاعتقد المسيحيون أنه صلب في هذا اليوم، وأنه قام من بين الأموات بعد الصلب في يوم الأحد التالي، فرأى بعض طوائفها أن يحتفلوا بذكرى الصلب في يوم الفصح، ورأت طوائف أخرى أن يحتفلوا باليوم الذي قام فيه المسيح من بين الأموات، وهو عيد القيامة يوم الأحد الذي يعقب عيد الفصح مباشرة، وسارت كل طائفة على رأيها، وظل الحال على ذلك حتى رأى قسطنطين الأكبر إنهاء الخلاف في “نيقية” سنة 325 ميلادية وقرر توحيد العيد، على أن يكون في أول أحد بعد بدر يقع في الاعتدال الربيعي أو يعقبه مباشرة، وحسب الاعتدال الربيعي وقتذاك، فكان بناء على حسابهم في يوم 21 من مارس “25 من برمهات” فأصبح عيد القيامة في أول أحد بعد أول بدر وبعد هذا التاريخ أطلق عليه اسم عيد الفصح المسيحي تمييزاً له عن عيد الفصح اليهودي.

هذا ما كان عند اليهود وتأثر المسيحيين به في عيد الفصح. أما الأقباط وهم المصريون الذين اعتنقوا المسيحية فكانوا قبل مسيحيتهم يحتفلون بعيد شم النسيم كالعادة القديمة، أما بعد اعتناقهم للدين الجديد فقد وجدوا أن للاحتفال بعيد شم النسيم مظاهر وثنية لا يقرّها الدين، وهم لا يستطيعون التخلص من التقاليد القديمة، فحاولوا تعديلها أو صبغها بصبغة تتفق مع الدين الجديد، فاعتبروا هذا اليوم يوماً مباركاً بدأت فيه الخليقة، وبشّر فيه جبريل مريم العذراء بحملها للمسيح، وهو اليوم الذي تقوم فيه القيامة ويحشر الخلق، ويذكرنا هذا بحديث رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة “ صحيح مسلم بشرح النووي (ج6 ص 142).

فاحتفل أقباط مصر بشم النسيم قومياً باعتباره عيد الربيع، ودينياً باعتباره عيد البشارة، ومزجوا فيه بين التقاليد الفرعونية والتقاليد الدينية.

وكان الأقباط يصومون أربعين يوماً لذكرى الأربعين التي صامها المسيح عليه السلام، وكان هذا الصوم يبدأ عقب عيد الغطاس مباشرة، فنقله البطريرك الإسكندري ديمتريوس الكرام، وهو البطريرك الثامن عشر “188-234م” إلى ما قبل عيد القيامة مباشرة، وأدمج في هذا الصوم صوم أسبوع الآلام، فبلغت عدّته خمسة وخمسين يوماً، وهو الصوم الكبير، وعمّ ذلك في أيام مجمع نيقيه “325م”، وبهذا أصبح عيد الربيع يقع في أيام الصوم إن لم يكن في أسبوع الآلام، فحرّم على المسيحيين أن يحتفلوا بهذا العيد كعادتهم القديمة في تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب. ولما عزّ عليهم ترك ما درجوا عليه زمناً طويلاً تخلّصوا من هذا المأزق فجعلوا هذا العيد عيدين، أحدهما عيد البشارة يحتفل به دينياً في موضعه، والثاني عيد الربيع ونقلوه إلى ما بعد عيد القيامة، لتكون لهم الحرية في تناول ما يشاؤون، فجعلوه يوم الإثنين التالي لعيد القيامة مباشرة، ويسمى كنسياً “إثنين الفصح”. كما نقل الجرمانيون عيد الربيع ليحل في أول شهر مايو.
من هذا نرى أن شمّ النسيم بعد أن كان عيداً فرعونياً قومياً يتصل بالزارعة، جاءته مسحة دينية، وصار مرتبطاً بالصوم الكبير وبعيد الفصح أو القيامة، حيث حدد له وقت معين قائم على اعتبار التقويم الشمسي والتقويم القمري معاً، ذلك أن الاعتدال الربيعي مرتبط بالتقويم الشمسي، والبدر مرتبط بالتقويم القمري، وينهما اختلاف كما هو معروف، وكان هذا سبباً في اختلاف موعده من عام لآخر، وفي زيادة الاختلاف حين تغير حساب السنة الشمسية من التقويم اليولياني إلى التقويم الجريجوري. وبيان ذلك: أن التقويم القمري كان شائعاً في الدولة الرومانية، فأبطله يوليوس قيصر، وأنشأ تقويماً شمسياً، قدّر فيه السنة بـ 25 و365 يوماً، واستخدم طريقة السنة الكبيسة مرة كل أربع سنوات، وأمر يوليوس قيصر باستخدام هذا التقويم رسمياً في عام 708 من تأسيس روما، وكان سنة 46 قبل الميلاد، وسمّي بالتقويم اليولياني، واستمر العمل به حتى سنة 1582م حيث لاحظ الفلكيون في عهد بابا روما جريجورويوس الثالث عشر خطأ في الحساب الشمسي، وأن الفرق بين السنة المعمول بها والحساب الحقيقي هو 11 دقيقة، 14 ثانية، وهو يعادل يوماً في كل 128 عاماً، وصحّح البابا الخطأ المتراكم فأصبح يوم 5 من أكتوبر سنة 1582 هو يوم 15 أكتوبر سنة 1582م وهو التقويم المعروف بالجريجوري السائد الآن.

وعندما وضع الأقباط تاريخهم وضعوه من يوم 29 من أغسطس سنة 284م الذي استشهد فيه كثيرون أيام “دقلديانوس” جعلوه قائماً على الحساب اليولياني الشمسي، لكن ربطوه دينياً بالتقويم القمري، وقد بني على قاعدة وضعها الفلكي “متيون” في القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أن كل 19 سنة شمسية تعادل 235 شهراً قمرياً، واستخدم الأقباط هذه القاعدة منذ القرن الثالث الميلادي. وقد وضع قواعد تقويمهم المعمول به إلى الآن البطريرك ديمتريوس الكرام، وساعده في ذلك الفلكي المصري بطليموس.

وبهذا يحدد عيد القيامة “الذي يعقبه شم النسيم” بأنه الأحد التالي للقمر الكامل “البدر” الذي يلي الاعتدال الربيعي مباشرة. وقد أخذ الغربيون الحساب القائم على استخدام متوسط الشهر القمري لحساب ظهور القمر الجديد وأوجهه لمئات السنين -وهو المسمى بحساب الألقطي- وطبقوه على التقويم الروماني اليولياني، فاتفقت الأعياد المسيحية عند جميع المسيحيين كما كان يحددها التقويم القبطي، واستمر ذلك حتى سنة 1582م حين ضبط الغربيون تقويمهم بالتعديل الجريجوري. ومن هنا اختلف موعد الاحتفال بعيد القيامة وشم النسيم.

أستمحيك عفواً أيها القارئ الكريم إذا أتعبتُك بذكر تطورات التقويم وتغير مواعيد الأعياد، إذ قد لخّصتها من عدة مواضع من كتاب “تاريخ الحضارة المصرية، ومن بحث للدكتور عبد الحميد لطفي في مجلة الثقافة “عدد 121″ لسنتها الثالثة في 22/4/1941م ومن منشورات بالصحف: الجمهورية 15/4/1985، الأهرام 20/4/1987، 11/4/1988،

فإني قصدت بذلك أن تعرف أن عيد الربيع الحقيقي ثابت في موعده كل عام، لارتباطه بالتقويم الشمسي. أما عيد شمّ النسيم فإنه موعد يتغير كل عام لاعتماده مع التقويم الشمسي على الدورة القمرية، وهو مرتبط بالأعياد الدينية غير الإسلامية، ولهذه الصفة الدينية زادت فيه طقوس ومظاهر على ما كان معهوداً أيام الفراعنة وغيرهم، فحرص الناس فيه على أكل البيض والأسماك المملحة، وذلك ناشئ من تحريمها عليهم في الصوم الذي يمسكون فيه عن كل ما فيه روح أو ناشئ منه، وحرصوا على تلوين البيض بالأحمر، ولعل ذلك لأنه رمز إلى دم المسيح على ما يعتقدون وقد تفنن الناس في البيض وتلوينه حتى كان لبعضه شهرة في التاريخ.

فقد قالوا: إن أشهر أنواع البيض بيضة هنري الثاني التي بعث بها إلى “ديانادي بواتييه فكانت علبة صدف على شكل بيضة بها عقد من اللؤلؤ الثمين، كما بعث لويس الرابع عشر للآنسة “دي لا فاليير” علبة بشكل بيضة ضمنها قطعة خشب من الصليب الذي صلب عليه المسيح، ولويس الخامس عشر أهدى خطيبته “مدام دي باري” بيضة حقيقة من بيض الدجاج مكسوة بطبقة رقيقة من الذهب، وهي التي قال فيها الماركيز “بوفلر” لو أنها أكلت لوجب حفظ قشرتها. (مهندس/ محمد حسن سعد-الأهرام 25 من إبريل 1938).

وقيصر روسيا “الإسكندر الثالث كلّف الصائغ “كارل فابرج” بصناعة بيضة لزوجته 1884م، استمر في صنعها ستة أشهر كانت محلاة بالعقيق والياقوت، وبياضها من الفضة وصفارها من الذهب، وفي كل عام يهديها مثلها حتى أبطلتها الثورة الشيوعية 1917م.

وبعد، فهذا هو عيد شم النسيم، الذي كان قومياً ثم صار دينياً، فما حكم احتفال المسلمين به؟ لا شك أن التمتع بمباهج الحياة من أكل وشرب وتنزّه أمر مباح ما دام في الإطار المشروع، الذي لا ترتكب فيه معصية ولا تنتهك حرمة ولا ينبعث من عقيدة فاسدة. قال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [المائدة:87] وقال: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [الأعراف:32].

لكن هل للتزين والتمتع بالطيبات يوم معين أو موسم خاص لا يجوز في غيره، وهل لا يتحقق ذلك إلا بنوع معين من المأكولات والمشروبات، أو بظواهر خاصة؟

هذا ما نحب أن نلفت الأنظار إليه. إن الإسلام يريد من المسلم أن يكون في تصرفه على وعي صحيح وبُعد نظر، لا يندفع مع التيار فيسير حين يسير ويميل حيث يميل، بل لا بد أن تكون له شخصية مستقبلة فاهمة، حريصة على الخير بعيدة عن الشر والانزلاق إليه، وعن التقليد الأعمى، لا ينبغي أن يكون كما قال الحديث “إمعة” يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن يجب أن يوطن نفسه على أن يحسن إن أحسنوا، وألا يسئ إن أساءوا، وذلك حفاظاً على كرامته واستقلال شخصيته، غير مبال من هذا النوع فقال صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه “ رواه البخاري ومسلم.

فلماذا نحرص على شم النسيم في هذا اليوم بعينه والنسيم موجود في كل يوم؟ إنه لا يعدو أن يكون يوماً عادياً من أيام الله حكمه كحكم سائرها، بل إن فيه شائبة تحمل على اليقظة والتبصر والحذر، وهي ارتباطه بعقائد لا يقرّها الدين، حيث كان الزعم أن المسيح قام من قبره وشم نسيم الحياة بعد الموت.

ولماذا نحرص على طعام بعينه في هذا اليوم، وقد رأينا ارتباطه بخرافات أو عقائد غير صحيحة، مع أن الحلال كثير وهو موجود في كل وقت، وقد يكون في هذا اليوم أردأ منه في غيره أو أغلى ثمناً.

إن هذا الحرص يبرر لنا أن ننصح بعدم المشاركة في الاحتفال به مع مراعاة أن المجاملة على حساب الدين والخلق والكرامة ممنوعة لا يقرها دين ولا عقل سليم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس “ رواه الترمذي ، ورواه بمعناه ابن حبان في صحيحه.

 

فضيلة الشيخ عطية صقر، رحمه الله - رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً

Posted by أسألكم الدعاء in 22:24:48 | Permalink | No Comments »

Sunday, April 5, 2009

دلالات الأمر في القُرآن والسُنَّة

إذا تأملتَ في أفعال الأمر وصِيَغه الواردة في كلام الله وسُنن النبي صلى الله عليه وسلم المُنفصلة عن كل قرينة لفظية أو حالية، رأيتَ أن جُملة هذه الأفعال تدُل على الوجوب حيث لا قرينة ولا صارف. والقرينة اللفظية هي ما يَقترن بالأمر مما يدُل على الوجوب، أما القرينة الحالية فكأن يُخاطِب الآمر المأمور بصيغة شديدة أو بعبارة حاسمة حازمة. يعني إذا قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَه} [سورة الأنفال الآية 1]، وقوله: {وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللهُ الدَارَ الآخِرَة} [سورة القصص الآية 77]، أو {أَقِيمُوا الصَّلاةَ وءاتُوا الزَّكَاة} ونحو ذلك فإن هذا يُفيد الوجوب، قال تعالى في تأكيد هذا المعنى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} [سورة الأحزاب الآية 36].

والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الِّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [سورة النور الآية 63]، فإنه حذر سبحانه وتعالى وتَوَعَّد المُخالِف عن الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، ولا يكون ذلك عقوبةً لترك المندوب أو المُباح، وإنما هو عقوبة لِمَن تَرَكَ الواجِب.

وقال تعالى مُخاطِباً إبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك} [سورة الأعراف الآية 12] فترتب على مُخالَفة إبليس للأمر اللعن والطرد والإبعاد من رحمة الله، فَدَلَّ ذلك على أن الأمر من الله سبحانه وتعالى كان مُقتضياً للوجوب، لأنه لا تترتب هذه العقوبات على مُجَرد المندوب أو المُستحب، كما أن الله تعالى سَمَّى هذه المُخالَفة عِصياناً والعِصيان يُوجِب العُقوبة، قال تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [سورة طه الآية 93].

كما رَتَّبَ دخولهم النار على قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون} [سورة المُرسلات الآية 48]، ولفظ “اركع”  هذا فعل أمر، فَدَلَّ هذا على أن مُخالَفة الأمر تُوجِب النار، ودُخول النار لا يكون إلا لترك واجب؛ وقد أجمع الصحابة على امتثال الأمر ولزوم الطاعة من غير سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ماذا عَنِيَ من أوامره.

الخُلاصة: أن صيغة الأمر إذا أُطلقت وتجردت عن القرينة دَلَّت على الوجوب، إلا إذا دَلَّ الدليل على غير ذلك أو يُصرف هذا الأمر إلى غيره.

والقرينة إما أن تكون مُتصلة أو مُنفصلة.

فالقرينة المُتصلة كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “صلوا قبل المغرب، لمن شاء” أخرجه البُخاري من حديث عبد الله المُزَني رضي الله عنه. وقوله سبحانه وتعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم} [سورة المجادلة الآية 12].

فالأمر الواجب لا يُعَلَّق على مشيئة العبد والواجب لا يُعَلَّق بالمشيئة، وإنما يُعَلَّق بالاستطاعة، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم} [سورة التغابن الآية 16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرتكم فأتوا منه ما استطعتم” أخرجه مُسلم. فتعليق الأمر أو الوجوب على المشيئة يدُل على أن المقصود من ذلك الندب أو الإباحة.

والقرينة المنفصلة كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم} [سورة البقرة الآية 282] طلب الله من المُسلمين أن يُشهِدوا عند البيع، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى ولم يشهد، فدل ذلك على أن الأمر بالإشهاد دون الإيجاب، وهو الندب والاستحباب.

 

كتبه: فضيلة الشيخ د. محمد يسري إبراهيم

من كتاب “أوضح العبارات في شرح المحلي مع الورقات”.

Posted by أسألكم الدعاء in 21:07:44 | Permalink | No Comments »

Friday, April 3, 2009

لماذا نُهينا عن التشبه بالكافرين؟

ابتداءً ينبغي أن نفهم، كما هي القاعدة في الإسلام، أن الدين مبناه على التسليم؛ التسليم لله تعالى، والتسليم للرسول صلى الله عليه وسلم.

والتسليم معناه: تصديق خبر الله تعالى وامتثال أمره واجتناب نهيه وبتصديق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره واجتناب نهيه واتباع هديه.

فإذا عرفنا هذه القاعدة فإنه ينبغي للمُسلم:

أولاً: أن يُسَلِّم بِكُل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: أن يَمْتَثله، ومما جاء به: النهي عن مُشابهة الكافرين

ثالثاً: وبعد أن يُسَلِّم ويطمئن ويثق بخبر الله وشرعه ويمتثله، فإنه بعد ذلك لا مانع من أن يلتمس التعليلات والأسباب..

 

فلذلك نستطيع أن نقول: بأن أسباب النهي عن التشبه بالكافرين كثيرة، وأغلبها مما يدركه أصحاب العُقول السليمة والفِطَر المُستقيمة، من ذلك:

أولاً: أن أعمال الكُفار مبناها على الضلال والفساد، فإن أعمال الكُفار مبناها على الضلال والانحراف والفساد في عقائدهم وفي عاداتهم وفي عباداتهم وفي أعيادهم وفي سُلوكهم. والصلاح استثناء، ثُم إذا وُجد بينهم من الأمور الصالحة شيئاً فإنما يكون مما لا يُؤجر عليه أحدٌ منهم. كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورَاً} [سورة الفُرقان الآية 23].

ثانياً: التشبه بالكافرين يُوقِع المُسلم بالتبعية لهُم، وفي هذا مُشاقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم واتباع لسبيل غير المُؤمنين. وفي هذا وعيدٌ شديد، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء الآية 115].

ثالثاً: التشابه بين المُتشَبَّه به، يُوقع شيئاً من المُشاكلة بين المُقلَّد والمُقلِّد. بمعنى التناسب الشكلي والميول في القلب والانصهار والموافقة في الأقوال والأعمال، وهذا أمرٌ مُخِلٌ بالإيمان لا ينبغي لمُسلم أن يقع فيه.

رابعاً: أن التشبه يُورث، في الغالب، الإعجاب بالكافرين، ومِن ثَم الإعجاب بدينهم وعاداتهم وسُلوكهم وأعمالهم وما هُم عليه من الباطل والفساد. وهذا الإعجاب لابُد أن يُورِث ازدراء السُنن وازدراء الحق والهُدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والذي عليه السلف الصالح؛ لأن من تشبه بِقومٍ وافقهم ورضيَ بفعلهم وأعجبه ذلك، وبالعكس فإنه لا يُعجبه الفعل والقول المُخالف.

خامساً: أن المُشابهة تُورث المودة والمحبة والموالاة بين المتشابهين، فإن المُسلم إذا قَلَّد الكافر لابد أن يجد في نفسه إلفةً له، وهذه الإلفة لابد أن تورِث المحبة وتورث الرضا والموالاة لغير المؤمنين، والنفرة من الصالحين المُتقين العاملين بالسُنة المُستقيمين على الدين، وهذا أمر فِطري يُدركه كل عاقل، خاصةً إذا شعر المقلِّد بالغُربة أو شعر المقلِّد بما يُسمى بالانهزامية النفسية، فإنه بذلك إذا قلد غيره فإنه يشعر بعظمة المُقلَّد وبالمودة له والأُلفة والتناسب بينهما، ولو لم يكن من ذلك إلا التناسب الظاهر لكفى، مع أن التناسب الظاهر في الشكل وفي العادة وفي السُلوك لابد أن يُورِث التناسب الباطن، وهذا أمر يُدركه كل من يتأمل مثل هذه الأمور في سُلوك البشر.

ولأضرب لكم مثلاً في وجود التناسب والمحبة والإلفة بين المُتماثلين:

لو أن إنساناً ذهب إلى بلدٍ آخر يكون هو فيه غريباً، فإنه لو رأى إنساناً مثله يمشي في السوق يلبس كلباسه ويتكلم بلغته، فإنه لابد أن يشعُر نحوه بشيء من المودة والإلفة أكثر مما لو كان في بلده. إذن فالإنسان إذا شعر أنه مُقلِّد لآخر، فإن هذا التقليد لابد أن يقع في القلب له أثر، هذا في الحالات العادية، فكيف لو قلد المُسلم الكافر عن إعجاب! وهذا هو الحاصل، فإنه لا يُمكن أن يقع التقليد من المُسلم للكافر إلا وأن يكون ذلك صادراً عن إعجاب وعن تقليد وعن مُحاكاة وعن محبة تُورث المودة والموالاة، كما نرى من المُتفرنجين من المُسلمين.

وسادساً: نُهينا عن التشبه؛ لأن مُشابهة المُسلم للكافرين في الغالب لابد أن تجعله في مقام الذليل والضعيف الذي يشعر بالصَغار والانهزامية، وهذا الذي عليه الكثير من الذين يُقلدون الكفار الآن.

 

كتبه: أ.د. ناصر بن عبد الكريم العقل، أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

من كتاب: قضايا عَقَدِيَّة مُعاصِرة

http://www.wasateah.net

 

Posted by أسألكم الدعاء in 05:40:52 | Permalink | No Comments »